الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

40

مختصر الامثل

جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ مَّنضُودٍ » « 1 » . ويضيف الباريء عزّ وجل بقوله : « نّعْمَةً مّنْ عِندِنَا كَذلِكَ نَجْزِى مَن شَكَرَ » . إنّ لوطاً عليه السلام قد أتمّ الحجة على قومه قبل أن ينزل البلاء عليهم ، حيث يوضّح اللَّه سبحانه هذه الحقيقة فيقول تعالى : « وَلَقَدْ أَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ » . « بطش » : على وزن ( فرش ) وتعني في الأصل أخذ الشيء بالقوة ، ولأنّ المجرم لا يؤخذ إلّا بالقوة ليلقي جزاءه ، لذلك فإنّها تعني المجازاة . « تماروا » : من « تمارى » بمعنى محادثة طرفين لإيجاد الشك وإلقاء الشبهة مقابل الحق ، فهؤلاء سعوا بطرق مختلفة إلى إلقاء الشكوك والشبهات بين الناس لإبطال تأثير إنذارات هذا النبي العظيم « لوط » عليه السلام . ولم يكتف هؤلاء المعاندون بإلقاء الشبهات العقائدية بين الناس ، بل بلغت بهم الوقاحة والصلف وعدم الحياء حدّاً أنّهم تجرّؤوا على ملائكة الرحمن وضيوف النبي الكريم المأمورين بعذاب هؤلاء القوم حينما دخلوا بيت لوط عليه السلام بصورة شباب وسيمين ، حيث يقول سبحانه : « وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ » . أي أنّهم طلبوا منه أن يضع ضيوفه تحت تصرفهم . لقد بلغ الألم الذي اعترى « لوطاً » عليه السلام حدّاً لا يطاق نتيجة هذا التصرف القبيح والمخجل لقومه ، وطلب بإصرار أن يكفّوا عن هذا السلوك المشين المخجل البعيد عن الشرف والحياء . بل وأبدى إستعداده عليه السلام لتزويج بناته لهم - إن أعلنوا توبتهم - وهذه أعلى حالات المظلومية التي يتعرض لها هذا النبي الكريم من قبل قوم عديمي الحياء والإيمان والقيم الخيرة ، كما في قوله سبحانه : « قَالَ هؤُلَاءِ بَنَاتِى إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ » « 2 » . ولم يمض وقت طويل حتى واجهت هذه الفئة المجرمة الباغية الجزاء الأوّلي لعملهم الإجرامي حيث يقول في ذلك سبحانه : « فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُقُوا عَذَابِى وَنُذُرِ » . إنّ يد القدرة الإلهية إمتدّت لتنتقم من هؤلاء القوم المجرمين ، وذلك بأن طمست على أعينهم ، حيث يقول البعض بأنّ جبرائيل قد امر أن يخفق بجناحهم على عيونهم حيث فقدوا

--> ( 1 ) سورة هود / 82 . ( 2 ) سورة الحجر / 71 .